هناك جملة أكررها دائماً، لدرجة أنني كتبتها لتبقى أمامي، حتى لا أغفل عنها، ولتدخل كبرمجة إلى عقلي الباطن:
“الحفاظ على الوعي أهم من الدخول في الوعي.”
فمن السهل أن يدخل الإنسان في حالة وعي، سهل جدًا.
معلومة واحدة، موقف معين، لحظة صحوة… يمكن أن تُدخل الإنسان إلى الوعي.
لكن، المحافظة على الوعي بعد الدخول إليه، هي المهمة الأصعب.
دققوا معي جيدًا:
لماذا الحفاظ على الوعي أمر صعب؟
لأننا عندما نستيقظ، ونرتقي من الوعي الأرضي إلى وعي أعلى، وعي ملكوتي، وعي سامٍ في “أعلى عليين”،
وهنا، “أعلى عليين” تعني أن الله يسخّر دائمًا ملائكة خاصة لتحفظنا من التراجع.
فحين أكون في هذا الوعي، المطلوب مني أن أحافظ على هذه الدرجة، وأواصل الصعود درجة بعد درجة…
إلى الأعلى، فالأعلى… إلى ما لا نهاية.
لماذا؟
لأنني إن تراجعت، سأعود أسوأ من ذي قبل، بطريقة لا توصف.
ولهذا السبب، كل شخص يعود إلى الوراء، تأتيه ضربة كبرى من الكارما، بلا رحمة.
إذن، النقطة الأساسية تكمن هنا:
طالما أنا أسير في درب الوعي، عليّ أن أسأل نفسي:
ما هو هذا الوعي؟ وأين هو؟
دققوا معي في كل حرف أقوله، فهذه معلومات تُنقش بماء الذهب.
هل العقل هو المسؤول عن هذا الوعي؟
الجواب: أبدًا، لا.
العقل؟ مستحيل.
لأنه أساسًا لا يحب التعلّم.
هل القلب؟ لا.
لأن القلب متقلّب، يحب شيئًا اليوم، وقد ينفر منه غدًا… لا مشكلة لديه.
هل النفس؟ لا.
فالنفس مسؤولة عن الغرائز، وليس هذا من اختصاصها.
هل الروح؟ أيضًا لا.
ليس هذا مجالها.
إذن، الوعي هو كيان طاقي مستقل.
نحن ندخل فيه، ونسكنه، وهو بدوره يحاول دائمًا أن يمدّنا بالعلم والمعلومة.
دماغنا دوره أن يُحلل.
قلبنا يستفتي.
نفسنا تستشعر.
وروحنا تُصدّق أو تنفي.
وإلا… فإن إبليس يتدخل.
فهو يفهم هذه “الخلطة” جيدًا… ويعرف من أين يُؤتى الإنسان.
لذلك، يحاول اللعب على أي وتر… لأنه يعلم أن لدينا “الحدس”.
وللتوضيح: كل الخلق لديهم حدس.
الحيوانات، النباتات… الكل.
لكن، ما الفرق؟
الفرق أن هناك من عمل على حدسه، ودرّبه، وطوّره… وهناك من تركه مهملاً.
الاستشعار فطري، يولد معنا،
لكن إبليس يلعب على كونه “غير مرئي”،
وهذا ما يجعلها “ما ورائيات”.
يأتيك ليقول: هذا تفسير منامك كذا وكذا…
لكن السؤال: كيف عرفتَ أن هذا هو التفسير؟
من أين جاءك؟
وللعلم، علم التأويل اسمه “علم” لأن الله سماه كذلك.
والعلم في مصطلحات الله يعني: مدد لا نهائي.
يعني بحر لا قاع له، وليس مجرد كتاب نقرأه ونغلقه.
مثال: رأيت في المنام “هاتفًا محمولًا”…
لن تجد له تفسيرًا في أي من كتب التفاسير القديمة.
لأن من كتبها كان وعيه محدودًا، والمدد مستمر ولا ينتهي.
لذا، من يدّعي تفسير الأحلام دون وعي، يستحق عقاب الكارما.
وأي إنسان – دون استثناء – قادر على نيل هذا العلم، وتعلُّم تفسير الأحلام والرؤى والتمييز بينها.
لكن إبليس يلعب حتى في الاستشعار…
ويُضلّك إن لم تكن متأكدًا بنسبة 100% مما تستشعره.
وهنا كارثة الوعي:
إذا تكلّمت بما لست موقنًا به، وادعيت أنه “علم”، فأنت تدخل في منطقة شديدة الخطر.
وتستحق العقوبة الكارمية مباشرة.
لهذا، هناك مقولة:
“من يعلم، ليس كمن لا يعلم.”
قالت إحدى المتدربات في الجروب:
“شعرة فاصلة بين الوهم والحقيقة.”
وهي فعلًا شعرة فاصلة.
لأنه حين يغيب الوعي، لا تعود قادرًا على التمييز بين الوهم والحدس.
وهنا، يدخل الشيطان اللعبة.
فما الحل؟
كيف نتجنّب هذه المتاهة؟
الإنسان الواعي يقول: “أنا واعٍ” أي: (مُركز على نفسي).
فور ما يبدأ بالتركيز على الآخرين، يطير منه الوعي.
وهنا، يبدأ الشيطان في لعبته.
لأن الوعي الأرضي يشغلنا بالناس، ويُنسينا أنفسنا.
ولكن الأصل:
“يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضرّكم من ضل إذا اهتديتم.”
الموضوع فيه ضرر… فيه كارما.
“من ضل” هم من يعيشون في الضلال،
أما “أنت”، فقد اهتديت إلى طريق الصحوة، عرفت ربك، عرفت الله الحقيقي…
الله ليس ذاك الذي يُصوَّر لنا بأنه قاسٍ، أو معذِّب.
الله أرحم الراحمين… أحنّ علينا من أنفسنا.
حين تستيقظ وتعود إلى وعيك، وتأتيك إشارات عن الآخرين، اسأل نفسك:
من أين أتى هذا الحدس؟
ولماذا أنا؟
هل هذه رسالتي؟ هل هذا دوري؟ هل تلقيت هذا العلم؟ هل استمددته من المدد؟
هذا هو الفرق الحقيقي…
هل عندي علم أم مجرد ظن؟
هل خرجت به للناس، للعلن؟
هل أتحمّل مسؤوليته؟
حتى لا يُغرينا الشيطان بأنفسنا، علينا دائمًا أن نُعيد تركيزنا إلى الداخل.
أول ما يتحوّل تركيزي إلى الآخرين، أوقف نفسي، وأتساءل:
من أنا حتى أتلقى حدسًا عن الآخرين؟
أنا لست معنيًّا، أنا أُركّز على نفسي.
“عليكم أنفسكم.”
والله، إن ركزتَ على نفسك لسنة كاملة، لن تشعر بالوقت،
لأن الزمن أمر معقد جدًا، فيه أسرار عظيمة، وسأفرد له مقالًا خاصًا.
لذا، أُعطي نفسي وقتًا طويلًا من التركيز الداخلي.
أُصدّق حدسي حتى وإن أخطأ، لأنه اختبار.
رأيت منامًا، أسأل نفسي: ما تفسيره؟
أسأل روحي، أسأل نفسي…
لأُفعّل التواصل بين النفس والروح.
وهناك، يأتيني التفسير واضحًا، بسيطًا، دقيقًا.
عندها أُصبح:
واعيًا على وعيي،
واعيًا على مشاعري،
واعيًا على إدراكي،
واعيًا على نفسي.
أربط نفسي دائمًا بإشارات تُذكرني، أكتبها، أضعها أمامي، حتى لا أنسى أنني “إنسان واعٍ”.
فأُراقب نفسي، حتى لا يدخلني إبليس إلى دوامة “الوهم”.
وهم بعد وهم… ثم ادّعاء علم… ثم تفسير… ثم استشعار… ثم انفصال عن الواقع.
وهنا يبدأ الزهايمر أو الذهان…
وهذا ما يُدرَّس في أولى دروس علم النفس.
ثلاث إلى خمس سنوات من الأدوية، والطريق يصبح أكثر تعقيدًا.
ولهذا نقول دائمًا: “اهدنا الصراط المستقيم.”
الوعي يحتاج إلى هدوء، وتركيز، وطول بال.
يحتاج إلى الاستعانة باسم “الهادي” و”الحليم”.
ابقَ مركزًا على نفسك، وليس على الآخرين.
وأقسم بالله، أن الفريق الذي يردّ عليكم، مستوى وعيهم لا يُصدّق.
كل إجابة يقدّمونها تكون بعد دراسة، تدريب، ووعي عميق.
ورغم هذا، حين يكتب أحدهم جوابًا، يُمهل نفسه، يُبطئ، يفكر بعمق، حتى لا يتحمّل كارما.
ولهذا، أحبتي…
نصيحة من قلبي:
احفظوا وعيكم، فهو أعظم ما تملكون.
لأنك حين تحفظه، ترتقي بثبات وأمان.
تدخل حالة من الاطمئنان، يصبح صدرك مشروحًا، وتتحرك بثقة.
حينها، تدخل من غرفة إلى أخرى في الوعي…
مستقرًا، ثابتًا، متجهزًا دائمًا للمرحلة التالية.
ولهذا، أغلب الأنبياء وصفوا حالة الوعي بـ”الغربة”،
لأن الوعي يجعلك غريبًا عن الناس…
لست مشغولًا بأحد، تركّز على نفسك فقط.
وحين يضغط عليه الناس، كان النبيّ يعتزلهم فورًا،
يعود إلى نفسه، يعيد بوصلته، يركّز، ثم يصعد في الوعي أكثر.
ركزوا على أنفسكم قدر استطاعتكم.
وأسأل الله أن يكون هذا الكلام خفيفًا على قلوبكم،
وأن يدخل إلى أعماق أرواحكم،
وأن تستوعبوه جيدًا، لتصلوا إلى أعلى المراتب… بإذن الله.

2 Comments
هذا المقال قراته الان و هو رسالة مباشرة لي ..ممتنة دكتورنا 💎 اللهم اهدني الصراط المستقيم و اشغلني بنفسي فقط ..
شكراً على هذا الكلام دكتور🌱